الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

281

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في تعليق الوجود على الوجود والانتفاء على الانتفاء وقد يكون لمحض التقدير كما في الفروض المذكورة في كلام الفقهاء عند بيان الأحكام كقولهم لو شك بين الثلاث والأربع كان عليه كذا ولو أوصى بشيء من ماله كان كذا إلى غير ذلك ومن ذلك ما يذكر لبيان ثبوت الحكم على كل حال كقولك أكرم زيدا إن أكرمك وإن أهانك ومن ذلك ما إذا أريد به الإشارة إلى ثبوت الحكم في الأضعف ليتأكد ثبوته في الأقوى كما في قولك إن ضربك أبوك فلا تؤذه وقد يكون لبيان العلامة كما إذا سألك عن وقت حلول الشتاء فقلت إذا نزل الثلج فقد حل الشتاء وقولك إذا صفّ الغلمان فقد جلس الأمير وإذا رأيت معرفة مرفوعة أول الكلام فهو المبتدأ إلى غير ذلك وقد يجعل الشرط في ذلك شرطا للحكم فيكون الجزاء في الحقيقة هو الحكم بثبوته لا نفس حصوله فيرجع إلى الإطلاق السابق ولا حاجة إليه إذ لا بعد في إطلاقه على ما ذكرنا كما يشهد به ملاحظة الاستعمالات ومحل النزاع كما عرفت إنما هو فيما إذا أريد به التعليق أو مطلقا بناء على كونها حقيقة في التعليق دون غيره وحينئذ فمرجع النزاع إلى كونها حقيقة بحسب اللغة والعرف في تعليق الوجود على الوجود لا غير كما هو المتداول بين المنطقيين وإنما تفيد تعليق كل من وجود الجزاء وعدمه على وجود الشرط وعدمه فتدل حينئذ على ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط وانتفائه عند انتفائه فيكون المدلول عليه بذلك حكمين أحدهما إيجابي والآخر سلبي وذلك ظاهر بالنسبة إلى الأخبار إذ مفاد الشرط حينئذ انتفاء الحكم المخبر به على فرض انتفاء الشرط أما بالنسبة إلى الإنشاء فالظاهر أن كلا من القائل بحجية المفهوم والقائل بنفيها يقول بانتفاء الإنشاء الحاصل بالكلام على تقدير انتفاء الشرط بل وكذا بالنسبة إلى سائر القيودات المذكورة في الكلام حتى بالنسبة إلى الألقاب فإن قوله أكرم زيدا إنما يكون إنشاء لوجوب إكرام زيد دون غيره فيكون الإيجاب المذكور ثابتا بالنسبة إليه منتفيا بالنظر إلى غيره ولو وجب إكرام غيره فإنما هو بإيجاب آخر فليس ذلك من القول بحجية المفهوم في شيء وما يذهب إليه القائل بحجية المفهوم في المقام هو القول بدلالة الكلام على انتفاء الإيجاب مطلقا مع انتفاء الشرط وحينئذ فيشكل الحال في تصوير الدعوى المذكورة نظرا إلى أن الشرط المذكور إنما وقع شرطا بالنسبة إلى الإنشاء الحاصل بذلك الكلام دون غيره فأقصى ما يفيده الشرطية انتفاء ذلك بانتفائه وأين ذلك من دلالته على انتفاء الوجوب مثلا بالنسبة إلى الصورة الأخرى مطلقا كما هو المدعى وحله أن الوجوب الملحوظ في المقام الذي وضعت الصيغة لإفادته وإنشائه هو الوجوب المطلق المتعلق بالمادة المعينة لا خصوص ذلك الوجوب المخصوص الحاصل بالإنشاء المفروض كما هو قضية كلام القائل بكون الموضوع له في وضع الهيئات المذكورة خاصّا إذ قد عرفت أن الأوفق بالتحقيق كون كل من الوضع والموضوع له فيها عامّا وإن كان الحاصل من استعمالها في معانيها أمرا خاصّا فكما أن مدلول المادة أمر كلي يتشخص بفعل المأمور ويكون الخصوصيات الشخصية خارجة عن المكلف به فكذلك مدلول الهيئة هو الإيجاب المطلق المتعلق بالمادة المفروضة المتشخص بفعل الأمر من جهة استعمال اللفظ فيه وإيجاده به وخصوصياتها الشخصية خارجة عن الموضوع له فإذا كان مدلول الصيغة مطلق الإيجاب المتعلق بالمادة كان الشرط المذكور في الكلام قيدا لذلك المعنى فيدل على كون مطلق إيجاب تلك المادة معلقا على الشرط المذكور منتفيا بانتفائه بناء على القول بثبوت المفهوم لا أن يكون خصوص ذلك الإيجاب الخاص معلقا عليه ليلزم انتفاء ذلك الخاص بانتفائه دون مطلق الإيجاب وبما ذكرنا يتأيد القول بكون الموضوع له للهيئات المذكورة عاما كما هو مختار الأوائل لا خصوص جزئيات النسب الواقعة بتلك الألفاظ الخاصة كما هو مختار المتأخرين إذ لو كان الأمر كما ذكروه لم يتصور ما ذهب إليه أكثر المحققين من دلالة المفهوم على انتفاء الحكم مطلقا بانتفاء الشرط من غير فرق بين الإنشاء والإخبار كما بيناه ثم إنه من التأمل فيما قررنا يظهر أن ما ذكره الشهيد الثاني في التمهيد حاكيا له عن البعض من تخصيص محل النزاع بما عدا مثل الأوقاف والوصايا والنذور والأيمان إذ لو علق إحدى هذه بشرط أو وصف لم يكن هناك مجال لإنكار المفهوم كما إذا قال وقفت هذا على أولادي الفقراء أو إن كانوا فقراء ونحو ذلك إذ لا يتأمل أحد في اختصاص الوقف بهم بالواجدين للوصف أو الشرط المذكور ونفيه عن الفاقدين له غير متجه إذ ليس ذلك من حجية المفهوم في شيء إذ مفاد العبارة المذكورة ثبوت الوقف المتعلق بمن ذكره من غير أن يفيد تعليقه بشيء آخر فيقع الوقف على الوجه المذكور وقضية ذلك انتفاء تعلق الوقف بشيء آخر إذ بعد تعين متعلقه بمقتضى الصفة المفروضة لا معنى لتعلقه بغيره وكذا الحال في نظائره ألا ترى أنه لو أقر بشيء لزيد أفاد ثبوت تملكه له وكون المقر به له بتمامه وذلك لا يجامع اشتراك غيره معه فيدل على نفي تملك غيره من تلك الجهة لا من جهة المفهوم على ما هو الملحوظ بالبحث في المقام ويجري ذلك في سائر الأحكام التي لا يمكن تعلقها بموضوعين كما إذا قيل تصدق بهذا على زيد أو بعه زيدا أو بعته زيدا أو وهبته لزيد فإن تعلق الأعمال المذكورة بزيد يفيد عدم تعلقها بغيره لما ذكرناه ولا ربط له بدلالة المفهوم ولذا يجري ذلك بالنسبة إلى الألقاب كما في الأمثلة المذكورة قوله وهو مختار أكثر المحققين وقد عزاه إليهم المحقق الكركي والشهيد الثاني وعزى إلى الشيخين والشهيدين رحمه الله أيضا واختاره جماعة من المتأخرين وحكى القول به عن جماعة من العامة أيضا منهم أبو الحسين البصري وابن شريح وأبو الحسين الكرخي والبيضاوي والرازي وجماعة من الشافعية قوله وهو قول جماعة من العامة فقد حكى القول به عن مالك وأبي حنيفة وأتباعه وأكثر المعتزلة وأبي عبد الله البصري والقاضي أبي بكر والقاضي عبد الجبار والآمدي واختاره من متأخري أصحابنا الشيخ الحر وغيره وربما يحكى في المسألة قولان آخران أحدهما ثبوت المفهوم بحسب الشرع دون اللغة وثانيهما التفصيل بين الإنشاء والإخبار فيثبت في الأول دون الثاني قوله يجري في العرف مجرى قولك الشرط في إعطائه إكرامك إلى آخره كأنه أراد به الإعطاء المأمور به فالمقصود اشتراط وجوب الإعطاء به وأيضا ظاهر أنه لا معنى لاشتراط نفس الإعطاء بذلك فالمراد اشتراط وجوب الإعطاء أو جوازه به وحيث إن المفروض تعليق الأمر به عليه فيتعين إرادة الأول فما قد يناقش في العبارة من إشعارها بدلالته على النهي عن الإعطاء عند انتفاء الشرط مع عدم